منذ اليوم الأول لخروج نظرية التطور إلى النور، لم تسلم النظرية من كونها محورا للكثير من الجدالات وهدفا للعديد من أسهم النقد وأحيانا النقض. لم يشمل التشكيك في نظرية التطور مخرجاتها أو مقولاتها الرئيسية فحسب، بل امتد ليشمل الفلسفة التي تقوم عليها النظرية ابتداء وطرائق الاستدلال التي تستند إليها والآثار العلمية التي يزعم مروجوها أنها تترتب عليها.

وتعدّ نظرية التطوّر أحد أبرز النظريات العلمية في العصر الحديث، وحجر الزاوية للفكر الإلحادي، ولا تكاد تخلو مؤسسة أكاديمية في الغرب من تدريس هذه النظرية وتطبيقاتها على العلوم الطبيعية والإنسانية، برغم ما يكتنف النظرية من كثير من الأساطير.

وفي هذا الكتاب يركز الاستاذ اورخان محمد علي الذي أفنى عمره في تفنيد نظرية التطور على مناقضة علم الكيمياء لنظرية التطور.

يقول الاستاذ اورخان عن هذا الكتاب :

سيرى القارئ في هذا الكتاب أن نظرية التطور تعلن إفلاسها منذ الخطوة الأولى من فرضياتها، وهي نشوء الحياة عن طريق تفاعلات كيماوية قادتها المصادفات. وسيرى مدى عجز هذه النظرية في البرهنة على هذا الأمر. كما سيرى كيف أن هذه النظرية قائمة على أساس من خيالات بعيدة لا تتسم بأي طابع علمي رصين. فإن لم ينجح التطوريون في  إقناعنا بالبراهين العلمية على صحة الخطوة الأولى من هذه النظرية فكيف سنقتنع بما وراءها؟.

إن لم تقم نظرية التطور بالبرهنة على صحة فرضياتها في ظهور الحياة تلقائيا وبالمصادفات العمياء( وهذا هو صلب النظرية، وأهم ركن من أركانها عند معظم التطوريين) فلا يمكن أن تتوقع منا الإيمان بصحة مزاعمها الباقية لأنها تكون قد أفلست من الخطوة الأولى.

مناقضة علم الكيمياء لنظرية التطور
مناقضة علم الكيمياء لنظرية التطور

       
لا شك أن نظرية التطور كانت من أهم التحديات الفكرية والعلمية في العالم الإسلامي، ومع أن هذا التحدي ظهر فيه قبل أكثر من قرن ؛ فإنه لم يتصد لتفنيدها علميًّا في العالم العربي بالمستوى العلمي المطلوب ؛ نتيجة للتأخر العلمي والفكري الذي كان ولا يزال سائدًا في العالم الإسلامي والعربي، وقد كان هذا هو الطابع العام عندنا حيال معظم التحديات الفكرية التي هبت فيهما. فمثلا لم يكتب في العالم العربي ـ حسب علمي ـ خمسة كتب جيدة ومن المستوى المطلوب ضد الفلسفة الماركسية. وهل كتبنا حول نظرية فرويد في التحليل النفسي بالعمق العلمي المطلوب؟… كلا مع أنها نظرية خطيرة جدًّا، ونظرية هادمة للمجتمعات وللأسر وللأفراد. ونظرًا لهذا الضعف العلمي والفكري فقد دخلت نظرية التطور في المناهج الدراسية في الثانويات والكليات كنظرية تمت البرهنة على صحتها.

كان موقف العلماء والمفكرين المسلمين من هذه النظرية كالآتي:

1- نظرًا لعدم وجود معرفة علمية كافية عند الكثرة الساحقة من المفكرين عندنا حول هذه النظرية ، فلم يجسروا على رفضها كليًّا في الوقت الذي يسمعون من حولهم تأكيدات مستمرة على أنها نظرية صحيحة ، فرأى أكثرهم أن من الأحوط لهم القول بأن هذه المسألة لا تزال في طور النظرية ولم تتم البرهنة عليها بعد ، فإن تمت البرهنة عليها في المستقبل فسيقوم العلماء بالتوفيق بينها وبين الآيات القرآنية!!!… كان هذا هو مثلا موقف العلامة المرحوم حسين الجسر صاحب (الرسالة الحميدية) ، وهو كتاب نفيس أهداه إلى السلطان عبد الحميد الثاني ، وأفتى بهذا الرأي عند تناوله موضوع نظرية التطور، وكذلك كان موقف حفيده المفتي السابق للبنان المرحوم نديم الجسر صاحب الكتاب الرائع (قصة الإيمان).

2- موقف التأييد لهذه النظرية والقيام بتأويلات وتفسيرات مصطنعة لبعض الآيات القرآنية وتوظيفها لإسناد هذه النظرية ، والتغافل قصدًا عن العديد من الآيات الواضحة التي لا تقبل أي شك حول كيفية خلق آدم، والعديد من الأحاديث الصحيحة في هذا الموضوع، وهما تكفيان ـ من ناحية العقيدة وليس من ناحية البرهنة العلمية ـ لرد هذه النظرية. وهذا هو موقف ـ أو كان موقف ـ الدكتور مصطفى محمود في مصر في كتابه (حوار مع صديقي الملحد) الذي ظهر قبل ما يقارب ثلاثين عامًا. ولا أدري إن كان   لا يزال في موقفه السابق أم لا. والمعلومات والأدلة القليلة التي أوردها في كتابه معلومات قديمة ترجع إلى الأربعينيات ، ولا تكفي لإسناد أي نظرية، ولا سيما إن كانت نظرية شاملة كنظرية التطور لها أبعاد واسعة وترتبط بفروع عديدة من العلم.

3- موقف المعارضة لهذه النظرية ولكن دون معرفة صحيحة وعميقة بهذه النظرية ، ودون أسلحة وبراهين علمية، ودون متابعة للكتب الجديدة في هذا الموضوع.

كان رأي الصنفين الأولين هو أن نظرية التطور لا تصادم الإيمان بالله ؛ لذا فلا تحمل خطرًا على العقيدة الدينية ، بل تشير فقط إلى نهج الله تعالى وأسلوبه في خلقه وفي تنويع خلقه وتطويره. فكما يمر الجنين بمراحل عديدة في رحم أمه حتى يخرج مخلوقًا كاملًا وسويًّا ، كذلك قضت حكمة الله تعالى أن تُخلق هذه المخلوقات في أبسط أشكالها ، ثم تتطور صعودًا إلى المراتب العليا وذلك حسب قوانين وسنن وضعها في الطبيعة كالانتخاب الطبيعي والطفرات…إلخ. فالله تعالى هو الخالق وهو المطور لمخلوقاته ولم يقم          « دارون » سوى بعملية اكتشاف لهذه القوانين الإلهية السارية في الطبيعة.

ومع أن أساس نظرية التطور وقاعدتها (عند الأكثرية الساحقة من العلماء من أنصارها) قائمة على الظهور التلقائي للحياة وبعوامل المصادفات العشوائية ضمن شريط طويل من الزمن، إلا أن بعض العلماء الغربيين لم يروا أنفسهم مضطرين لقبول خرافة المصادفات العشوائية ، ورأوا أن فكرة ظهور هذا الكون البديع والدقيق جدًّا بهذه المصادفات العمياء فكرة مستحيلة علميًّا ورياضيًّا ؛ لذا نبذوا هذه الفكرة ، وآمنوا بأن الله تعالى هو الذي خلق هذا العالم وجميع المخلوقات في صورة بسيطة وقابلة للتطور حسب اعتقادهم بالسنن والقوانين التي وضعها في الطبيعة ، وأن نظرية التطور تقوم بشرح آلية هذا التطور وقوانينه وكيفية حدوثه.

وهذا صحيح…

صحيح أن نظرية التطور لا تصادم فكرة الألوهية إن نظرت إلى الموضوع من هذه الزاوية.

ولكنها تصادم فكرة النبوة مصادمة واضحة لا لبس فيها أبدًا…

فلا يمكن التوفيق بين هذه النظرية وبين ما جاء في جميع الكتب السماوية من خلق آدم u من طين ثم خلق حواء…

لا يمكن إيراد أي تفسير معقول ومنطقي وغير متعسف يزيل هذا التناقض الموجود بين قصة خلق آدم وحواء وبين نظرية التطور…

Leave a Reply